|
شعراء كورد يكتبون بالعربية ويناضلون من أجل عودة الحياة الروحية للجماهير
أحمد رجب
ليس من السهل أن تكتب عن إسهامات الكتاب والشعراء والمثقفين في الشعر وكتابة القصة والرواية والمقالة الأدبية والأعمال والريبورتاجات والتقارير الصحفية وغيرها من الأعمال الثقافية والإبداعية، وتكون الحالة أكثر صعوبة عند تناول إسهامات الأصدقاء والمعارف، وهم يشكلون فئة مثقفة لها وزنها الخاص وصوتها المدّوي في الحياة الثقافية، ويتوّزع هؤلاء المثقفين في مجالات مختلفة كتنظيم الشعر وكتابة القصة والمساهمة في الصحافة وكل شيء يمت بالثقافة. للثقافة دور ريادي وأهمية خاصة في حياة وتطّور المجتمعات والإنسان وتتجّلى هذه الأهمية للثقافة والعمل الثقافي في الصراعات الآيديولوجية والسياسية وفي إشاعة وتطوير الوعي السياسي والطبقي وتبعاً لهذه المقولة يزداد ويتعاظم دور المثقفين في الحياة الإجتماعية والسياسية ومن ضمن هؤلاء المثقفين برز عدد كبير من شعراء وكتاب كورد ناضلوا بالكلمة جنباً إلى جنب مع مثقفي الشعوب والقوميات العراقية المتآخية ضد الدكتاتورية الفاشية التي حكمت العراق قرابة أربعين سنة، ووقفوا ببسالة وشجاعة نادرة ضد سياسات الدكتاتورية التضليلية وأفكارها الفاشية والإنتقائية والسلفية ومحاولاتها المريبة لبث الحياة في كل ماهو متخلف من القيم الفكرية والثقافية والأخلاقية وتأثيراتها على أوساط واسعة من الجماهيربإستغلال كل الأدوات المؤثرة، المادية والفكرية الدعائية وحتى أجهزة القمع والإرهاب. يعلم المثقفون من الكتاب والشعراء والصحفيين والفنانين، ولأسباب خارجة عن إرادة الكورد، بأنّهم كانوا محرومين من الدراسة والتعليم والنشر بلغتهم الأم لسنوات طويلة، هذا في العراق، وأمّا في الأجزاء الأخرى من كوردستان والملحقة قسراً بالأنظمة الرجعية والدكتاتورية الشمولية في المنطقة قد حرم عليهم وحتى يومنا هذا إستخدام اللغة الكوردية في التعليم والكتابة والنشر. ولكن الكورد لم يقفوا مكتوفي الأيدي وبدأوا بإستخدام لغة القوميات الأخرى للتعبير عمّا يريدون، فبرز منهم كتاب وشعراء موهوبون يبحثون عن مجال للإبداع ومنهم الأدباء الكبار والشعراء المشهورين والكتاب الفطاحل الذين كتبوا في اللغات العربية والتركية والفارسية من أمثال : احمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي ويشار كمال وعلي أشرف درويشيان ومنصور ياقوتي وعبدالمجيد لطفي ومحي الدين زنكنه ومعروف الرصافي وزهدي الداوودي وعبدالستار نورعلي وعبدالحكيم نديم الداوودي وآخرين. انّ الشعب الكوردي ككل الشعوب الأخرى يتمتع بالنبوغ الخاص، وانّ أبناءه يجهدون ويتعبون ويسهرون في سبيل الرقي، ويبتعدون عن الروح الشوفينية والتعصب القومي، ويكتبون بلغات القوميات السائدة، وإن أتيح لهم التعبير بلغتهم القومية، لأبدعوا وأوصلوا موهبتهم إلى الآخرين، كما انّ إستعمال اللغة الأم حق طبيعي لكل إنسان. وهنا لا بدّ من الإشارة بأنّ العلاقات مع الشعوب المجاورة للشعب الكوردي تؤّثر سلباً وإيجاباً في ثقافة هذه الشعوب حيث يجري تبادل ثقافي شئنا أم أبينا، فالكتاب الكورد بذلوا جهوداً جبّارة مع أبناء الشعوب الأخرى التي يعيشون معها لتعزيز الجانب الديموقراطي في الآداب خدمةً لتقدم المجتمعات والقيم الإنسانية والخلاص من الأنظمة الدكتاتورية الشمولية التي تتحّكم في شعوب المنطقة وتقييد الحريات. ومن إسهامات وأعمال المثقفين الكورد نسلط الضوء على الأعمال الشعرية للشاعرين عبدالستار نور علي وعبدالحكيم نديم الداوودي، وهذا لا يعني قط عدم تناول أعمال الأصدقاء والمعارف في المستقبل، بل بالعكس سأحاول من جانبي قدر الإمكان الكتابة عنهم وهم الشريحة التي أستمد منها القوة والعزم. لقد تعرّض الشاعران عبدالستار نور علي وعبدالحكيم نديم الداوودي إلى مشاكل حياتية معقدة وصعبة، حالهم حال جميع الشعراء والكتاب الذين صرخوا في وجه الظلم والدكتاتورية وعانوا الأمّرين بوجود نظام دكتاتوري شمولي في العراق، وهو يطرد الكورد بالجملة إلى ديار الغربة والمنافي تحت ذريعة التبعية الإيرانية، أو إطلاق عبارات التخوين عليهم، ومن خنق الحريات والمراقبة البوليسية والدخول في حروب مجنونة ودفع الشباب إلى محرقتها، والطلب من الشعراء التغني بـ " بطولات القائد " والكتابة عن قادسية صدام، وكل ما يمت بصلة بحزب البعث الشوفيني والنظام الدكتاتوري. يمتلك الشاعران طاقات إبداعية وشاعرية عالية المستوى، وإمكانات من الإداء الفني المتمثلة بالنشاط والحيوية والدخول بسهولة إلى قلب الأحداث المحيطة بشعبهم الكوردي الذي إضطهده نظام الغل العروبي منذ نشوء الدولة العراقية. للشاعرين حضور دائم في الأحداث والمناسبات، ولهما التأثير الفاعل في أوساط الجماهير، وقبل كل شيء أريد أن أنقل البطاقة الشخصية للشاعرين : الشاعر العراقي الكوردي عبدالستار نور علي ولد في بغداد عام 1942 ، خريج كلية الآداب / جامعة بغداد ـ قسم اللغة العربية عام 1964، عمل مدرسّاَ في عدد من إعداديات بغداد لمدة 25 عاماً، وبدأ النشر منذ عام 1965 في مختلف الصحف والمجلات العراقية والعربية، يكتب حالياً في عدد من صحف ومجلات الوطن والمهجر، وينشر قصائده ومقالاته في العديد من مواقع الأنترنيت، ومن نتاجاته :
على أثير الجليد ـ مجموعة شعرية بالعربية والسويدية في جوف الليل ـ مجموعة شعرية باب الشيخ ـ مقالات شعراء سويديون ـ دراسات ونصوص جلجامش ـ مسرحية شعرية للشاعر السويدي أبه لينده ـ ترجمة. الشاعر عبدالحكيم نديم الداوودي :
شاعر وفنان تشكيلي كردي من مواليد كركوك 1956
يهدي الشاعر عبدالستّار نور علي كتابه : على أثير الجليد الصادر عن مركز أنشطة الكومبيوتر في مدينة إسكليستونا السويدية إلى : عالمي الصغير.... وطني والحضن الأثير ... إلى شعبي الأعزّ..... جوان ..... نور ..... علي .... وإلى الحضن الأكبر .... امهم ذات القلب الكبير.... ويهدي الشاعر والفنّان عبدالحكيم نديم الداوودي كتابه : رفات تناجي ملائكة السلام إلى الشمعة المضيئة بمحراب المحبة الأبدية ... وهي في القلب كأنشودة الحياة ... لذكرى من رحلوا ... ولم يجدوا فسحةَ للفرح ... غير صمت التراب .... يحمل الشاعران هموم أبناء الشعب، ولكل واحد منهم همه الخاص والنابع من وجدانه ومن أعماقه، لأنّ هذه الهموم هي بالأساس هي هموم مشتركة لقطاعات واسعة من الناس الذين حرموا من ملذات الحياة، وحكم عليهم بالموت من قبل حكام لم يحترموا مشاعرهم، بل بالعكس داسوا على كل القيم الإنسانية، ويقول الشاعر عبدالستار: إلى أمهات بغداد المقابر
صوتك يندب .... يصرخ عبر محيطات القارات ..... نوحك عبق من رائحة أزقة باب الشيخِ وآلام الغرف المنحنية فوق الأكتاف ، وبيوت المهدود الحيل . صوتك يحمل في الروح لوعاً معنىً صدقاً دفئاً عاطفة النهر القادم من أرواح الغابوا غابوا غابوا من غير نسيم يعبق أو روح تألق أو صوت .................... .................... وسبايات مقابر زُرعت ومقابر غابت لم تعرف أظفارُ الفقراء طريقاً في الرمل إليها لم تكشفها لهفة مشتاق للوجه المنحوت على دائرة القلب النازف دمه عبر أثير القارات سبايات سبايات .................. ..................... نوحك يحفر في الروح .... يحفر ... يحفر .... يخرج سيماء القلب ، شرارة عشق مدفون ... وسبايات ... سبايات ... لم يألف مزمار السبي على بابل ما زرعت فينا الريح السوداء. وفي ذكرى إستشهاد مدينة هه له بجه يقول شاعرنا عبدالستار نور علي في قصيدته : هذي حلبجة :
هذي حلبجة ُ في المدى أخبارُها .... لتثيرَ في همم ِ النفوس ِ شرارها
وتعيدُ قصـة َ ذبحـها وحريـقها صوراً من الحقدِ اللئيم ِ شِفارُها
تلك الضحايا تسـتـثيرُ نداءها عـاماً فعاماً كي تـُقربَ ثارَها
فهي الجراحُ النازفاتُ روافـدٌ للناهضاتِ الحاشداتِ قرارَها
فجموعُ هذي الناسِ ما فتئتْ ترى في الكيمياءِ القتل ِ فيضَ نهارها
إنَ المواجعَ لم تزلْ تسري على دمـنا شـموعا ً نقـتفي أنوارَها
هذي حلبجةُ جرحُها لا ينتهي أبدَ الدهورِ ولا يذوبُ أوارُها
ستظلُ ملحمةَ الدماءِ تسـيلُ في عِرقِ الترابِ سـقاية ً أمطارُها
وتظـلُ تنبضُ في القلوبِ روايـة ً تحكي لجيـل ٍ بعـدَ جـيـل ٍ نارَها
فارفعْ سـليلَ الأرضِِ زهرةَ تربها فوقَ الشـفاهِ وفي العيونِ ديارَها
فهي التي رفعتْ لواءَ شهادةٍ معمـودةٍ بصـغارها وكبـارِها
هذا ابنُ شهر ٍ بينَ حضنِ رضيعةٍ ذاك ابنُ سـبعين ٍ يشــدُ إزارَها
هذي عروسٌ ترتدي حُلَلَ الهوى لم يحتضنْ غيرَ الترابِ سـوارُها
وأزقة ٌ ملأى بأجسـادِ الورى متوسـدين ترابها وحجارَها
كلٌ تهاوى في دخـان ِ نزيلـة ٍ سوداءَ منْ صدرٍ خبيثٍ ثارُها
اللهُ .. هل في الأرضِ صوتُ نزيهةٍ ؟ مازالَ صوتُ الأرضِ في أسـرارها
تبتْ يداك أبا لـُهيبٍ ما اكتوتْ الا يـداك بعـارها وشـنارِها
هـذي حلبجـة ُ لم تـزلْ مقرونـة ً بالشمسِ حتى لو نويتَ دمارَها
فالشمسُ إنْ ضمتْ سحابٌ وجهَها سـتظلُ شـمساً يسـتحيلُ سـتارُها
يا شـعبَ كردسـتانَ حرقـة َ لاعج ٍ حملَ الجراحَ على الضلوعِ ونارَها
كم في مسيركَ هجرة ٌومحارقٌ تـتشـقـقُ الأرضون من آثارِها
ويحَ الطغاةِ وإنْ تـنمرَ ذلـُهم لحفيرةٍ تهوي لتلبسَ عارَها
أمّا الشاعرالفنان عبدالحكيم نديم الداوودي فيقول :
قبل عقود من الآن القتلة يجوبون في الشوارع ... السيطرات منصوبة في بابا كركر.... تنهش الكلاب السائبة بأنيابهم المكشرة... طراوة مدينة النور والأعراس ويقول الشاعر قبل أن يختتم قصيدته :
كركوك الهموم عديدة، لانّ الشاعرين عاشا مع شعبهم محنة السنوات المريرة مع حكام دكتاتوريين عتاة، فرأوا التهجير القسري والتعريب وإعتقال خيرة الشباب والعمل على تغيبهم وعدم معرفة مصيرهم، حكام قساة إضطهدوا الكورد الفيليين، وأحرقوا كرميان ومناطق كوردستان، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما كتبه الشاعر العراقي والكوردي الفيلي عبدالستار نور علي بعنوان : أيها الفيليون ، اسمعوا وعوا : أزيحـوا عن نفوسـكمو الرقـادا.....وخلوا صحوة َ الوعي الوسادا .....وفـكوا القيـدَ عن حُلم ٍ أسير ٍ..... ينـزُ مكانـه ُ نزفـا ً مُعـادا ... فما كنتمْ سـليلَ النوم ِ يوما ً....لأنتمْ أمة ٌ غـزُرتْ حصادا ... تلقـفكمْ سـيوفُ الغـُرب ِ دهرا ً.... وسيفُ القُربِ كانَ لهمْ سِنادا .... فأغلقَ سادنُ الأهلينَ عينا ً.... وأذنا ً صمها مُـلئتْ عنادا..... وقـعتـمْ بيـنَ هــذا ثـمَ هــذا .... محاصصة ً ليفتتحوا المزادا .... فهذا يسحبُ الحبلَ احتسابا ً ... وذاكَ يشـدهُ عَصَبا ً شدادا .... وأنتمْ رهـنُ مظلـمة ٍ تمادتْ ... ببغي ٍ زادَ في الذبح ِ ازديادا ....فأطلقتمْ صراخَ الجرح ِ يعلو .....فلا أحـدا ً يجيبُ ولا ضِمادا .... رمتكم عادياتُ القـوم ِ قسرا ً.... بتهجيـر ٍ وتشريد ٍ تمادى ....على الألغام ِ سارتْ في الدياجي ... قوافـلكـمْ جميعـا ً أو فـُرادى .... فكـم طارتْ الى أشـلاءَ جمـعٌ ...وكم ذئب ٍ طوى الأحياءَ زادا ... وكـم طفـل ٍ هـوى في قعـر واد ٍ ..... وصرخـة ُ أمه ِ جمـدتْ جمادا ..وكم عـذراءَِ غيبها وحوشٌ ... تشمرُ ساعدَ الغدر ِ اعتيادا .... فمـا كنتمْ طبولَ الحربِ يوما ً.... وصـارَ لها شـبابكمو حصادا .... * * * أزيحوا عن عيونكمُ الرُقادا .... وصبوا النورَ فيها مُستـقادا ....لديكمْ فتية ٌ زرعـوا المعالي .... على قمم ِ الذرى اتقدوا اتقادا .... همو خيرُ الألى ملأوا النوادي ... مفاخـرة ً ومنْ شـدوا الجيـادا.... ومنْ طافَ المراجلَ مُستهاما ً.... يـدورُ بفلكـها خـيلا ً جـِلادا.... ومنكمْ منْ غزا فنَ المعاني ..... ليصطـادَ الفرائـدَ والتـِلادا ..... وفيكـمْ شـيبة ٌ خبـروا البلايا ... فصاغوا جمرها حِـكما ً وزادا .... بقاماتٍ تجلـتْ في انتصاب ٍ .... ولم تـُسـلمْ لطاغيـة ٍ قـيادا ....نساء ٌ قد عظمنَ بفرط ِ صبر ٍ ...ز بثكل ٍ ذوبَ الصخرَ الصِلادا .... فهذي شبلها في قعر ِ سجن ٍ .... ذوى لم يجتن ِ أملا ً مُرادا .... وتلكَ الزوجُ في نفق ٍ بهيم ٍ ..... تردى لا صداه ُ ولا رمادا .... وثالثة ٌ شــقيق ٌ شــبَ حلماً .... طريَ العودِ غابَ فلا مَعادا .... مقابرُ تختفي أخرى أطلتْ ... بها الأجداثُ تنعـقدُ انعقادا ..... أيا قوما ً خيارُ الناس فيكمْ ..... وطيبة ُ فوحكمْ عمَ البلادا .... ولكـنَ الطغـاة َ أبـوا ســكوناً ...فساموكمْ من العسفِ اضطهادا ..... لصوصٌ في جذورهمو لبوسٌ ..... من الأحقـادِ تغتـرفُ الفسـادا ..... وغـدرٌ شــيمة ٌ فيـهم تجـلتْ ..... تمدُ العِرقَ في النفس ِ امتدادا .... فيا قوما ً زرعتمْ كلَ أرض ٍ .... وفاءا ً واقتدارا ً واعـتدادا ..... بكمْ جلتْ صروفُ الدهرِ نَوحا ً ..... فأشـهدتـم ْ بمـوجـتها العبـادا .... فلا أفـلتْ بمربعـكمْ نجوم ٌ.... ولا لبسَ الزمانُ بكمْ حِدادا..... فيا قومي مسيرُ الخلق ِ درس ٌ........ مسـيرُكمو دروسٌ لنْ تـُبادا .... إلامَ شـتاتكمْ وفـراق ُ رأي ٍ .... وخيرُ الرأي ِ ينطلقُ اتحادا ..... تجمـع ْ يا أخي درعـا ً ببيت ٍ ..... .فوحدة ُجمعكمْ ترقى احتشادا . ويقول شاعرنا الفنّان عبدالحكيم نديم الداوودي في الصفحة 29 من ديوانه رفات تناجي ملائكة السلام في قصيدة : العودة يعود المجنون عه به* .... من سفر الأحزان وحيداً ...... فاقداً تحت السياط نعمة الذكورة .... وكل تعابير اللسان ! ... ومن أنثى العشيرة المسبيّه . تبقى كولاله ( طولالة ) *العمياء مبتورة العرض والذراع .... موشّمة العجز والظهر ... في وطن نصفه دم .... ونصفه الآخر بالكبت مستباح. جراحها من رماد حرائق عامودا ... شبيهة في الألم أنين حلبجة. حلبجة النائمة غدراً على مقاصل التاريخ وبؤسها.... وفي شتاء عب |