أين يقف الكورد من تصريحات الشواذ ؟

   أحمد رجب

 

بعد رحيل الدكتاتور صدام حسين الذي عمل خلال سنوات حكمه الأسود على إذلال العراقيين وجرح كرامتهم، والذي جرّ عليهم النكبات والحروب والويلات تتطلّع الشعوب العراقية من العرب والكورد والتركمان والكلدوآشوريين والأرمن ومن الشرائح الأخرى كالإيزديين والصابئة على إختلاف أديانهم ومعتقداتهم ومذاهبهم النظر إلى مستقبل العراق والوقوف بوجه الذين حاولوا ويحاولون دق إسفين بين أبنائه بدعوات الطائفية البغيضة والنعرات العنصرية المقيتة، لكي لا يستطع حل مشاكله المستعصية وتضميد جراح العراقيين الذين هم بحاجة ماسة إلى علاج الأزمات العاصفة التي تهدد الوحدة الوطنية.

ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في العراق ساهم الكورد مع أبناء الشعوب العراقية الأخرى بفعالية ونشاط في إدارة البلاد من خلال المشاركة في مجلس الحكم المؤقت، ومن ثمّ الدخول في حكومة أياد علاوي المؤقتة، كما ساهموا في النشاطات والعمل من أجل الإنتخابات التي جرت في نهاية كانون الثاني من العام الجاري، وتأكيدهم بانّ الإنتخابات ستكون بلا شك دعامة للديموقراطية، وتؤدي إلى ترسيخ الإستقرار السياسي وإلى إضفاء الشرعية على نظام الحكم في البلاد، وبأنّ الإنتخابات حق شرعي لجميع الشعوب.

وفي أول إنتخابات يشهدها العراق حقّق الكورد عن طريق قائمتهم الكوردستانية الإئتلافية من الأحزاب والشخصيات المستقلة فوزاً كبيراً، إذ جاءت بالمرتبة الثانية على نطاق العراق،كما حقّق الكورد إنتصاراَُ ساحقاَ من خلال قائمتهم ( قائمة الإخاء ) في مدينة كركوك، ولم يبق أمام أعداء الكورد أي منفذ للهجوم على تطلعات الشعب الكوردي إلا لجوئهم إلى الكذب والدجل والزعم بأنّ أعداداً كوردية من إيران قد هاجرت إلى كركوك منذ منتصف القرن الماضي، إثر هجوم جيش الشاه المنبوذ وسقوط جمهورية كوردستان في مهاباد، الأمر الذي جعلهم يعتبرون كركوك مدينة كوردية !!.

لقد اختار الشعب الكوردي طريق الفيدرالية للعيش ضمن عراق ديموقراطي تعددي فيدرالي، وعلى هذا الأساس أقر برلمان كوردستان ومنذ  خريف عام 1992 الفيدرالية، وقد زعم أعداء الكورد والفيدرالية أيام نظام صدام حسين الشوفيني، كما يزعمون اليوم بأنّ الكورد " عصابات " مافيا إقتحمت بغداد وأخذت تستعرض قوّتها لإرهاب السياسيين والإعلاميين من أجل إنتزاع مواقف قسرية لتأييد " الفيدرالية الإنفصالية ".

إنّ أعداء الكورد وكوردستان مصابون بلوثة عقلية، حيث يزعم البعض منهم وهم يقولون : هل يريدنا الأكراد نسيان عشرات الآلاف من الجنود العراقيين الذين سقطوا " شهداء " دفاعاً عن " وحدة " العراق برصاص المخربين منهم ؟.

يزعم أيتام النظام الدكتاتوري البائد بأنّ الحكم الذاتي أو الفيدرالية يمثلان موتاً محققاً للأكراد، ويزعمون أيضاً : كيف يمكن لدولة " صغيرة " محاطة بدول " كبيرة " كالعراق وإيران وسوريا وتركيا أن تبقى ؟، ويسرد البعض من عملاء وعناصر مخابرات النظام المقبور( بأنّ تلك الدولة " المأمولة " من قيادات الأكراد لا تملك سوى المياه، لأنّ كركوك الغنية بالنفط ليست كردية، فكيف سيعيش الشعب الكردي ؟ ).

ويزعم موتور آخر من زبانية الحاقدين قائلاً : ( لا توجد لغة تجمع الأكراد  ).

إنّ أعداء الكورد يكيلون السباب والشتائم للكورد، ويحاولون إلصاق أنواع التهم بهم، ويلجأوون إلى لغة الترهيب والتخويف معتمدين على دول الجوار الدكتاتورية والرجعية، ويتبعون سياسة العصا الغليظة، ويعملون على تشويه الحقائق وتخريب الوقائع، ولكن مهما فعلوا لا يستطيعون حجب الشمس بالغربال.

يلجأ هؤلاء الأعداء دائماً إلى سياسة الترهيب والوعيد ضد الكورد، وهم يكررون كالببغاوات بأنّ إيران وتركيا وسوريا ترفض أي محاولة للمطالبة بالحقوق القومية العادلة والمشروعة ومنها محاولة إظهار إستقلال كوردستان عن العراق، وهؤلاء الحاقدين من الزمر الجبانة يمهدون الطريق لضرب الكورد وسحق مطاليبهم العادلة، بحجة أن الكورد يعملون على تفتيت وتقسيم البلاد.

إنّ الكورد طالبوا ويطالبون لحد الآن بالفيدرالية، ولم يطالبوا بأكثر في الظروف الراهنة، لذا هم لا يعاتبون الأعداء، ولكنهم يعاتبون الأصدقاء الذين بدأوا بكيل التهم الباطلة واللجوء إلى قلب الحقائق، ولا سيّما بعد الإنتخابات والتوجه لبناء العراق الجديد، عراق الديموقراطية والسلام، ويريد بعض الأخوة أن يمنعوا الكورد من القول بأنّ كركوك هي مدينة كوردستانية، وفي نفس الوقت يدعون فيه إلى عراق " موّحد " ، وانّ هؤلاء الأخوة يعلمون بأن كركوك مدينة كوردستانية منذ مئات السنين.

انّ الأخوة " الأصدقاء " يقولون : من هنا لندع الشعب العراقي بكل طوائفه وقومياته يعيش بسلام وأمان دون التدخل بتحديد الحدود القومية والجغرافية لهذه الطائفة أو لتلك، فنحن ( والكلام للأخوة الأصدقاء ) مسلمون يربطنا دين واحد، وتاريخ واحد، وأديان أخرى شركاء في هذا الوطن !!.

لقد تحّدث العديد من اخوتنا " الأصدقاء " من الذين أرادوا أن يكونوا واعظين عن حقوق الإنسان، في الوقت الذي كان يجري أمام أعينهم تزوير التاريخ وتراث الكورد ونهب ثروات الشعب الكوردي وتدمير القرى والقصبات الكوردستانية وعدم الإكتفاء بذلك من قبل الأعداء حتى قاموا بإستخدام الغازات الكيمياوية السامة لقتلهم جماعياً، ويثير بعض " الأصدقاء " للشعب الكوردي قبل الأعداء هنا وهناك القلق عن تنامي نغمة الحديث عن مخاوف تقسيم العراق، لأن الكورد يطالبون بالفيدرالية فقط، وليس غيرها، وأنّ الكورد بدورهم يساورهم القلق من تصريحات بعض الشواذ، وخاصة من الذين يلقبون بالقادة و " الأصدقاء " لوقوفهم العدائي ضد مطامح الكورد، ويعلنون صراحة رفضهم للفيدرالية، وعودة كركوك إلى كوردستان.

بالرغم من انّ الأحزاب الكوردستانية عملت وتعمل حتى الآن لمصلحة العراق ووحدة أراضيه، نرى بالمقابل عدد غير قليل من العرب يهاجم الكورد، ويجري الحديث عن الفيدرالية ويقال بأنّ الشعب الكوردي قد حصل عليها، ولكن في الواقع أنّ الدستور المؤقت للعراق أقّرّ الفيدرالية للكورد، كما إقرّها للآخرين، ووفقاً " للدستور المؤقت " فإنّ ثلاث محافظات عراقية بإستطاعتها التصويت على أقاليم فيدرالية.

انّ الكورد طالبوا ويطالبون بالفيدرالية على أساس الحقائق والوقائع الجغرافية والتاريخية، وليست الفيدرالية على أسس طائفية ومذهبية ودينية، ولنتحدث بصراحة ونذكّر الآخرين بأنّ الكورد يطالبون الإسراع بتطبيق بنود " الدستور المؤقت " !، وإذا كان الدستور حبراً على ورق فقط، فإنّ الكورد قد حسموا أمرهم عندما جمعوا مليونين توقيع تقريباً للمطالبة بالإستقلال.

على الكورد رفض الوصاية من الآخرين وعدم الإنصياع لمطاليبهم وتهديداتهم، فنظام دكتاتوري شرس بحجم نظام صدام الدموي لم يستطع الوقوف أمام الكورد.

لقد كتب بعض الأعراب بأنّ الكورد يستحقون نوعاً من الحكم الذاتي  لا غير !!، لذا يتوقف على الكورد أن يحسب ألف حساب للحاقدين والمصابين بالعمى.

وبشأن الفيدرالية ومدينة كركوك ينبغي بل ويجب على الكورد أن يرفضوا مثلما رفضوا في السابق إملاءات الآخرين، وعليهم أن يرفضوا اليوم وليس غداً إملاءات الذين يقفون بالضد من مطامح الشعب الكوردي وحقوقه العادلة، واسترجاع المناطق المسلوبة منه قسراً.

على الكورد أن لا ينخدعوا بأقوال وتصرفات الآخرين، وعليهم الوقوف بوجه كل من يعارض الحقوق المشروعة لشعب قدّم التضحيات الجسام في مقارعة أعتى دكتاتورية عرفها التاريخ الحديث، ففي الماضي القريب أطلق غازي عجيل الياور كلمات التخوين على الكورد عندما جمعوا التواقيع وطالبوا بالإستقلال، ويكرر اليوم الدكتور إبراهيم الجعفري المنتخب والمرشح لرئاسة الوزراء بأنه لا يوافق على مطاليب الكورد بشأن كركوك والمناطق المستقطعة من كوردستان بسبب سياسات الحكومات السابقة الهوجاء، وعلى الجميع ان يعلموا بأنّ الكورد لا يريدون حكماً وريثاً لنظام صدام حسين الدموي، كما فعل أياد علاوي وجمع البعثيين والقوميين العرب في حكومته التي ستغادر بلا شك قريباً،

ويعلم العراقيون بأنّ للبعثيين تاريخ أسود وأياديهم ملطّخة بدماء العراقيين، ومنهم اعضاء في حزب الدعوة، وهو حزب السيد الجعفري.

إنّ دعاة وحدة الأراضي العراقية يريدون وضع الخطوط الحمراء أمام كل طموحات الكورد.

انّ أبناء كوردستان يطالبون من المرجعية الشيعية عدم التدخل في الشؤون السياسية وترك الأمور الخاصة بحقوق الشعوب إلى الهيئات الدستورية والجمعية الوطنية العراقية، وإلى الأحزاب والشخصيات الوطنية النزيهة التي حازت على ثقة الناس في الإنتخابات الأخيرة.

انّ الشعب الكوردي بحاجة ماسة إلى مساعدة الآخرين والأصدقاء، ولكن أبناء الكورد يطالبون من الجميع أن تكون المساعدات نزيهة ومبنية على التفاهم والثقة المتبادلة، وبعيدة عن المحاباة التي تحمل التهديد والوعيد والإرشادات، وانهم يريدون سنداً لحل معضلتهم دون اللجوء إلى لغة المهاترات، وفرض الآراء من خلال تسمية أنفسهم بـ " الأصدقاء "، ونحن شعب لا نستجدي أحداً، وماضي الكورد شاهد على ذلك، والكورد يحترمون من يقدم لهم المساعدة والتضامن،، ولهم أصدقاء من العرب والقوميات والشعوب الأخرى، نقف لهم إجلالاً.

                                                       2 ـ 3 ـ 2005

 

 

HOME