![]()
من ضحايا الفكر في تركيا
اسماعيل بيشكجي : نموذج العالم المنصف
![]()
|
تعبر المواقف المبدئية الصلبة لعالم الأجتماع التركي الدكتور اسماعيل بيشكجي من قضية الشعب الكردي و حقوقه القومية المشروعة عن ظاهرة فريدة ليس في تركيا فقط ، بل وفي عموم منطقة الشرق الأوسط . فقد تحمل هذا الرجل بسبب مواقفه من قضية الشعب الكردي خلال العقود الأربعة الأخيرة ما لم يتحمله أحد من غير ابنائه. رغم أنه كان يعرف منذ البداية ما ينتظره بسبب ذلك، إلا انه تحدى سلطات بلاده وطرح مفهومه المغاير للقضية الكردية في تركيا . اشتهرت الحكومات التركية بانتهاجها لسياسة معادية للكرد لمدة تزيد على قرن و نصف من الزمان. بدأ السلطان سليم الثالث (1779 - 1807 ) تلك السياسة عندما أخذ يخطط للقضاء على الأمارات الأقطاعية الكردية ، ونفذها من بعده كل من محمود الثاني (1808 - 1839 ) و عبدالمجيد (1839 - 1861) . تزامنت تلك السياسة مع تنامي النزعة المركزية لدى الباب العالي و محاولات فرض سلطتها على ارجاء الأمبراطورية المترامية الأطراف . وخطت تلك السياسة خطوات اخرى الى الأمام تحت ستار الجامعة الأسلامية على يد السلطان عبدالحميد الثاني (1876 - 1909 )،لتكتسب صبغة شوفينية مقيتة على ايدي رجال الأتحاد و الترقي، خصوصا اثناء تحكم الثلاثي الطوراني ( أنور، طلعت وجمال ) بمقدرات الدولة العثمانية . أما في العهد الجمهوري فان سياسة معاداة الكرد و محاولة صهرهم و ازالة وجودهم القومي فقد وصلت الى مستوى الأبادة الجماعية للجنس الكردي و محو كل يمت بصلة الى تراثه الثقافي و التاريخي. لازالت هذه السياسة الظالمة مستمرة بصيغ جديدة كي لا تبدو شاذة عن قيم العصر ومفاهيمه. في هذا الجو الموبوء بالأفكار العنصرية و الشوفينية و مقت الآخرين برز العالم الدكتور اسماعيل بيشكجي ليعلن على الملأ ليس فقط تمرده على الآيديولوجية الرسمية التركية و المنظومة الفكرية المتحكمة بالمؤسسات العلمية و وسائل الأعلام ، بل ليكرس حياته كلها لأدانتها و محاولة نسف اسسها الآيديولوجية و فضح تطبيقاتها العملية بحق الشعب الكردي و الأقليات القومية و الدينية في تركيا . لقد اثبت الرجل على مدى العقود الماضية إخلاصه لقيم العلم و الحقيقة و استعداده اللامتناهي للتضحية في سبيلها، وهو القائل (ماأجمل العمل و النضال من اجل العلم و الحقيقة و التضحية في سبيل سيادتهما ) . يعتبر بيشكجي احد اشهر سجناء الرأي في تركيا و العالم . فقد قضى اكثر من عشرين عاما في السجون و المعتقلات التركية و أصدرت المحاكم التركية بحقة احكاما وصلت الى اكثر من قرنين و غرامات مالية تجاوزت المليارات من الليرة التركية بسبب دفاعه عن حقوق الشعب الكردي و ادانته لسياسات الدولة التركية بحق هذا الشعب . بدأت معاناة بيشكجي مع اول احتكاك له بالكرد في بداية الستينات و اكتشافه لعالم كان مجهولا لديه،حيث منع الناس من الأطلاع على ذلك العالم وآماله وما يجري فيه . وكتب فيما بعد عن ذلك قائلا ( عندما وصلت الى جنوب شرقي تركيا شاهدت شعبا له لغة و تاريخا و تقاليد تختلف عما لدينا نحن الأتراك ، كما لا يحمل الأسم الذي نطلقه نحن الأتراك عليه ، فهو لا يسمي نفسه باتراك الجبال بل بالكرد). منذ ذلك الوقت كرس الرجل جهوده لدراسة واقع هذا الشعب و الدفاع عن حقوقه ، وكان على مدى العقود التالية اما ملاحقا من قبل الشرطة او ماثلا امام المحكمة او قابعا في الزنازين بسبب كتاب أصدره او مقال نشره او تصريح ادلى به الى وسيلة اعلام تركية او أجنبية مدافعا فيه عن الكرد و حقهم في تقرير مصيرهم ومدينا السياسات الأستعمارية التركية في كوردستان . من حق بيشكجي علينا ان نعرف القراء به و بجهوده العلمية و مواقفه الأنسانية ازاء الشعب الكردي و حقوقه القومية . ومن المفرح حقا ان الجماهير الكردية في تركيا و خارجها تقدر فضله و جهاده عاليا ، فقلما تجد بيتا كرديا في كوردستان تركيا أو في اوروبا يخلو من صورة له أو مكتبة تخلو من احد كتبه . لقد ساعد بيشكجي بنضاله و تضحياته و جهوده العلمية الكبيرة عددا من الكتاب و المثقفين الأتراك للتخلص من أخطبوط المنظومة الفكرية الكمالية العنصرية ويروا الأشياء على حقيقتها وبدأ عدد هؤلاء يتزايد مع مرور الأيام ويحذون حذوه و يكرسون اقلامهم للدفاع عن الحقيقة و القيم العلمية التي آمن بها كفكرت باشقايا، خلوق كركر، عائشة زاراكولو ، سرور تانيللي و وداد توركالي و كثيرون غيرهم. رغم تنامي النزعات العنصرية و الشوفينية في تركيا و المنطقة بسبب تسلط الأنظمة القمعية والدكتاتورية وسيادة الأوضاع السياسية و الأقتصادية و الأجتماعية البائسة والفشل التام لعمليات التحديث و غياب الديموقراطية ، ألا اننا نرى بأن عدد المثقفين المتنورين الذين يطالبون بحل القضية الكردية في تركيا في تنامي مستمر. ويؤكد هؤلاء بعكس ما يشيع عنهم الأعلام التركي ، إخلاصهم للأمة التركية و الخدمة الكبيرة التي يقدمونها لها من خلال تحريرها من العنصرية المقيتة وانقاذ القيم الأنسانية في تركيا وفتح الآفاق امام انتشار فكر انساني بعيد عن التعصب و الشوفينية . يؤكد بيشكجي بأنه ورفاقه يحاولون غسل العار الذي لحق بالفكر التركي خلال قرن كامل من الزمان . إضطرت الأوساط التركية الحاكمة ازاء تنامي حركة هؤلاء و ضغوطات الأتحاد الأوروبي ان تعيد النظر في الكثير من الأجراءات القمعية و القوانين التي تحد من حرية الفكر ، كما اضطرت الى اطلاق سراح العديد من الكتاب و المثقفين ومن بينهم اسماعيل بيشكجي . تؤكد النخب التركية المتنورة بأن هذه الأجراءات الترقيعية غير كافية ولا يمكن لتركيا ان تزيل الصفحات السوداء من تاريخها إلا من خلال انقلاب جذري يستهدف أسس المنظومة الفكرية العنصرية الكمالية المتحكمة بالحياة السياسية و الثقافية و الأجتماعية التركية وبنخبها السياسية و الثقافية. كتبت عن بيشكجي لأول مرة عام 1977 (1) بعد ان اطلعت على كتابه ( نظام شرق الأناضول الأجتماعي - الأسس الأجتماعية و الأقتصادية و الأثنية)(2)، واشرت اليه آنذاك بانه ( اول باحث تركي ينهج منهجا علميا لتحليل اوضاع كوردستان. فهو يحلل الوضع الأقتصادي و الأجتماعي من منطلق علمي بعيد عن الأساليب التركية المعتمدة، ويحاول جاهدا ان يشخص الأسباب الحقيقية للحالة المزرية للسكان الكرد . وقد توصل الى نتائج باهرة من شأنها المساعدة في رسم صورة واقعية لأوضاع الشعب الكردي في تركيا ). وكتبت عنه مرة اخرى عام 1985 مشيرا الى سيرته و جهوده العلمية و بخاصة كتابه المشار اليه اعلاه مع التأكيد على التزامه العلمي و إخلاصه للقيم العلمية وللحقيقة ورفضه الأنخراط في جوقة الكتبة و المؤرخين الرسميين للدولة التركية و الذين يحاولون على مدى قرن كامل ان يجعلوا من الكرد تركا دون نتيجة . واشرت في ذلك المقال الى انتقاداته القوية لأجراءات السلطات التركية بحق الشعب الكردي (3). وغير خاف على احد أن الأوساط الحاكمة آنذاك في بغداد كانت تنفذ سياسة شبيهة بما قام بها الكماليون بحق الشعب الكردي في العراق بوحشية اكبر وجوقة اشباه المؤرخين والكتبة الرسميين كانوا مشغولين بعقد المؤتمرات (العلمية) و (التاريخية) الصاخبة ونشر الدراسات عن (عروبة سيدنا آدم ) ر(عقد المقارنات بين صدام حسين و صلاح الدين الأيوبي) فضلا عن نشر مجلدات ضخمة حجما و الفارغة مضمونا عن (حضارة العراق) أو (العراق في التاريخ ) و (الصراع العربي -الفارسي) الخ القائمة المعروفة ، مع اهمال كامل لكل ما يتعلق بالشعب الكردي و تاريخه وتزييف الأحداث و الوقائع التاريخية لتتناغم مع التوجهات العنصرية و الفاشية البعثية . وكانت قوائم الكتب الممنوعة تنهال على المكتبات و كأنها قوائم (INDEX ) التي كانت تصدرها محاكم التفتيش في اوروبا خلال العصور الوسطى . وكانت هذه القوائم تضم اول ما تضم كتب التاريخ الكردي بدء ب (شرفنامة ) و انتهاء بالكتب التي صدرت خلال سني حكم البعث نفسه . الغريب أن تلك القوائم طالت مؤلفات عربية مشهورة و مهمة جدا مثل (مقدمة ابن خلدون ) لأنها حوت افكارا شعوبية حسب تقويم اشباه المؤرخين، فضلا عن امهات المصادر العربية الأصيلة. وهكذا كان الكتاب و (المؤرخين ) العراقيين مشغولين بإعادة انتاج ثقافة رفاقهم الكماليين و لكن باسفاف اكبر و سطحية اكثر اثارة للسخرية والأشمئزاز . بعد كل هذه السنوات و بعد ان تحول اسماعيل بيشكجي الى ظاهرة في الحياة الثقافية التركية و الكردية، ارى من الضروري أن اعود الى الحديث عنه و الأشارة الى جهوده العلمية و مواقفه المبدئية رغم انني مضطر الى الأعتراف بان مقالي هذا لا يمكن ان يعطي الرجل حقه و هو الذي اشتهر بغزارة انتاجه و سعة اهتماماته . من الضروري ان تترجم كتاباته الى الكردية و العربية لكي يتمكن القراء الكرد و العرب الأطلاع عليها . من المفرح ان الدكتور زهير عبدالملك نشر ترجمة عربية لكتابه المهم (كوردستان مستعمرة دولية) (4). وكان هذا الكتاب الذي صدر اصلا بالتركية قد ترجم الى الألمانية ، الأسبانية ، الأنجليزية و الكردية و غيرها من اللغات . وكان المرحوم شكور مصطفى قد ترجم كتاب بيشكجي (نظام شرق الأناضول ،الأسس الأجتماعية و الأقتصادية والأثنية) الى العربية. كما ترجم آسوس هردي احد كتبه الى اللغة الكردية . كما ان هناك ترجمات منشورة لبعض مقالاته ولقاءاته الصحفية . يتميز بيشكجي باصرار و عناد غريبين ولم تتمكن السلطات التركية رغم الأضطهاد والملاحقة والسجن والتجويع ان تجبره على السكوت او التخلي عن موقفه المؤيد للقضية الكردية . لقد بلغ مجموع الأحكام التي صدرت بحقه اكثر من قرنين و نصف قضى منها حوالي العشرين عاما. كما فرضت المحاكم غرامات مالية تجاوزت المليار ليرة تركية. واضطرت السلطات التركية مجبرة ان تخلي سبيله و تنصاع لأرادته الفولاذية. وكان جوابه على اسئلة الصحفيين حول خططه بعد كل مرة كان يخرج فيها من السجن او المحكمة هو (أنه سيعود الى الكتابة عن القضية الكردية و حقوق الشعب الكردي ) . وعندما حاول محاميه ان يثنيه عن اطلاق هذه التصريحات امام المحكمة التي خرج لتوه منها، كان يقول (هل اخطأت القول ياعزيزي ؟ انا سأظل اكتب و ادافع عن الحقيقة و لاشئ اجمل منها ومن العمل من اجل تحقيقها ). وتتجسد صفات العلماء في شخص اسماعيل بيشكجي ، فرغم نشره لأكثر من ثلاثين كتابا و مئات الدراسات و المقالات و البحوث ورغم ان شهرته تجاوزت حدود تركيا منذ أمد طويل ، ألا انه اشتهر بتواضعه الجم ، فإنطبق عليه القول المأثور ( التواضع زينة العلماء ) . كما اشتهر بقلة حديثه الا عندما يتطلب الموقف الحديث . يروي احد النشطاء السياسيين الكرد ممن شاركوه الحياة في المعتقل، انه جئ به يوما والقي في الزنزانة ولم يكن يعرفه السجناء آنذاك شخصيا ، فبقي لأيام عديدة عند باب الزنزانة لضيق المكان ، لم يعره احد اهتمامه ولم يحاول هو ايضا ان يعرف بنفسه . ويقول الناشط السياسي بأنهم عرفوا عن طريق الصدفة فقط بأن هذا الملقى به عند الباب هو الدكتور اسماعيل بيشكجي الذي يدافع عن الكرد و حقوقهم ، عند ذلك هب جميع السجناء لتكريمه و تخصيص مكان يليق به في ظروف المعتقل . وكان يرفض دوما ان يقوم احد بتقديم خدمة له او القيام بعمل بدلا منه . وفي السجن أيضا كان يلقي على اليساريين الترك و الكرد دروسا في الوطنية الحقة و الثورية وينتقد المفاهيم الخاطئة التي جرى تربيتهم بها حول القوميات و حقوقها في ظل الأنظمة السياسية المختلفة . كما عرف بيشكجي بعزة نفسه ، فهو اذ يدافع عن الحق لا ينتظر من احد جزاء و لا شكورا ، فقد رفض بكل ادب استلام مبلغ عشرة الاف دولار ارسلته احدى الجمعيات الأمريكية المدافعة عن حقوق الأنسان وسجناء الرأي . وقد نشرت الصحافة التركية في ربيع عام 1991 رسالته الجوابية الى تلك الجمعية شاكرا اياها ومعتذرا عن قبول المبلغ ومنتقدا في الوقت نفسه سياسات الدول الغربية في دعم الحكومةالتركية و صمتها ازاء الأنتهاكات الكبيرة لحقوق الأنسان في تركيا . ولد اسماعيل بيشكجي عام 1939 في اسكيليب (Iskilip ) بولاية جوروم (Corum) .فيها اكمل دراسته الأبتدائية و الثانوية . ومن جامعة انقرة حصل على ليسانس في العلوم السياسية عام 1962. عمل بعدها لفترة قصيرة موظفا في الدوائر الحكومية. تعرف على الشعب الكردي خلال فترة خدمته العسكرية بين 1962 - 1964 في ولايتي بدليس و هكاري بكوردستان الشمالية ( كوردستان تركيا او ما يسمى في الأعلام الرسمي بجنوب شرق الأناضول ) . صدمه الواقع المأساوي لهذا العالم الجديد الذي إكتشفه و كرس منذ ذلك الوقت جل جهده الفكري و نشاطه العلمي لنصرة الكرد دارسا اوضاعهم و مدافعا عن حقوقهم القومية و الديموقراطية و خصوصيتهم الحضارية محاولا افهام المثقفين الأتراك الحقائق الناصعة التي ادركها و التي يتنكر لها الكثيرون في تركيا ودول المنطقة . عين معيدا في قسم العلوم الأجتماعية بجامعة اتاتورك في ارضروم وذلك بعد انهاء خدمته العسكرية عام 1964 . انشغل باجراء دراسات ميدانية في كوردستان و بخاصة بين القبائل الكردية المتنقلة، وانتهى عام 1967 من اعداد اطروحته للدكتوراه ، وكانت عن التنظيم الأجتماعي لأحدى العشائر الكردية المتنقلة بين منطقة سيلفان وجبال نمرود . شهدت مدن كوردستان في نفس العام مظاهرات احتجاجية و تجمعات جماهيرية كبرى ضد سياسات التمييز و الأهمال الحكومي للمنطقة و ضد سيادة الأجراءات البوليسية القمعية ضد مواطنيها . طالبت هذه التجمعات بفتح المدارس و المستشفيات بدلا من مراكز الشرطة و الجندرمة. شارك الشاب الثوري بيشكجي في هذه التجمعات بهمة ونشر كتابه الأول عن طبيعتها في نفس العام تحت عنوان ( تحليل تجمعات الشرق )(5 ). حاول في كتابه هذا تحليل المضامين الأجتماعية و السياسية و الأقتصادية لهذه التجمعات و كذلك الشعارات التي رفعتها الجماهير الكردية .وكانت تعبر في مجملها عن سخط الناس من الأوضاع المأساوية التي تسود كوردستان و حرمان الناس في هذه المناطق من الخدمات الصحية و التعليمية و الأجتماعية في الوقت الذي كانت تعاني من تخمة في عدد مراكز الشرطة و الأمن و الجندرمة و المحاكم . و في العام التالي أصدر كتابا عن التحولات الأجتماعية عند قبائل الرحل الكردية في شرق الأناضول، أعقبه بدراسة عن التحولات و البنى الأجتماعية عند عشيرة عليكان الكردية في كوردستان (6). ضمن كتابيه هذين نتائج بحوثه و دراسته الأجتماعية الميدانية المهمة التي قضى سنوات طويلة للقيام بها بين العشائر الكردية المتنقلة في منطقة ارضروم أثناء إعداده لأطروحته للدكتوراه . ومن هنا تميزت دراساته بالعمق و الشمولية و عبر فيها عن الحقائق المعاشة بعيدا عن التزويق.لكن اهم مؤلفاته في هذه الفترة كان كتاب ( النظام الأجتماعي في شرق الأناضول : الأسس الأجتماعية و الأقتصادية و الأثنية ) الذي اشرنا اليه اعلاه. كان ترحيب القراء بالكتاب كبيرا، أذ نفذت طبعته الأولى خلال فترة قياسية، فقامت دار النشر بأصدار طبعة ثانية له في العام التالي . لكن موقف الأوساط التركية الحاكمة التركية كان على النقيض تماما ، فقد قررت فصله من جامعة أتاتورك بأرضروم التي كان يعمل فيها لأنه تجاوز المسموح به في تركيا . لقد تضمن هذا الكتاب كما كبيرا من المعلومات و الحقائق العلمية عن الأوضاع الأجتماعية والأقتصادية والثقافية والسياسية في كوردستان فضلا عن الآثار المدمرة لسياسة التمييز والأهمال التي مارستها السلطات بحق الشعب الكردي على مدى نصف قرن تقريبا . وأظهر بيشكجي كيف ان الحكومات التركية المتعاقبة أخفت تلك الحقائق المرعبة عن بقية مواطني تركيا ، كما كشف عن زيف ادعاءات الحكومة فيما يتعلق بسياساتها الهادفة الى تفكيك البنى الأقطاعية و القبلية في كوردستان . لقد اثبت بالأدلة القاطعة أن العكس هو الصحيح، أي ان الحكومة وفي لعبة مزدوجة ومفضوحة تعمل على ترسيخ وتقوية نفوذ الأقطاعيين والزعماء القبليين الكرد على حساب الجماهير الكردية العريضة. يمكن القول بأن ظهور هذا الكتاب أشر بداية عهد جديد لدراسة أوضاع الكرد في تركيا. فقد رسم المؤلف استنادا الى الحقائق الواردة في الأحصائيات الرسمية الحكومية وتلك الخاصة بالمؤسسات الأقتصادية والتعليمية والصحية ، فضلا عن أخبار ومعطيات الصحافة التركية والمعلومات الغنية التي جمعها خلال دراساته الميدانية في كوردستان ، رسم صورة واقعية للأوضاع الأجتماعية و الأقتصادية و الثقافية في كوردستان الشمالية. وإعتبر الحكومة التركية مسؤولة مباشرة عن تلك الحالة المزرية التي كان السكان الكرد يعيشون في ظلها ، مدينا سياستها في اهمال المنطقة الكردية وابقائها في حالة من التخلف الشديد على جميع الأصعدة . كما شخص النتائج المترتبة على تلك السياسات و التي ادت الى تأجيج المشاعر القومية الكردية و تنامي النشاط السياسي الكردي في المرحلة التالية . فعندما لم تستجب الحكومة الى المطالب المشروعة للكرد تأزمت الأوضاع وبلغت مرحلة الصدام المسلح . وفي بداية عام 1971 بدأ بيشكجي العمل أستاذا بكلية العلوم السياسية في جامعة انقرة ، الا انه لم يستمر في عمله الجديد سوى شهورا معدودة لأنه تعرض الى السجن في نفس العام . فبعد إنقلاب 12 آذار 1971 المعروف بانقلاب المذكرة ، قدمت حكومة سليمان ديميريل استقالتها بمجرد ان قدم الجنرالات مذكرة هددوا فيها بالسيطرة على مقاليد الأمور اذا اخفقت الحكومة في وضع حد لتنامي قوى اليسار و الحركة القومية الكردية . لقد اثار التقارب بين اليسار التركي و الحركة القومية الكردية بخاصة بعد اتخاذ حزب العمل التركي لموقفه المعروف في مؤتمره الرابع من الحقوق الكردية المشروعة ، مخاوف الجنرالات و القوى اليمينية المتطرفة التي تحركت بسرعة لقطع الطريق على هذا المنحى (الخطير) للأحداث برأيها.وأشارت المصادر المختلفة في حينها الى ان عملية الأنقلاب كانت مسرحية متفق عليها بين رئيس الوزراء سليمان ديميريل وقادة الجيش التركي لقمع الحركة الكردية واليسارية . سرعان ماقامت الحكومة الجديدة التي شكلها نهاد ايريم باعلان الأحكام العرفية في اسطنبول و دياربكر وسيرت و جرى اعتقال الآلآف من النشطاء السياسيين . كان نصيب بيشكجي من خيرات الحكومة الأنقلابية ثلاث سنوات قضاها في السجون و المعتقلات التركية . أطلق سراحه مع عدد آخر من سجناء الرأي بموجب عفو صدر عام 1974 ولكن جامعة انقرة رفضت اعادته الى وظيفته ، فقرر بدروه تركها الى الأبد والقيام بدراساته بعيدا عن المؤسسات التعليمية و التربوية التي تسودها الآيديولوجية الرسمية. كما قرر التصدي للفلسفة التربوية والتعليمية التي تعتمدها هذه المؤسسات العاملة وفق المبادئ الكمالية ، والتي شكلت الأطار العام للنشاط الثقافي والعلمي في تركيا. كرس بيشكجي منذ ذلك الوقت طاقاته الفكرية الخلاقة لنسف الأسس الهشة التي قامت عليها المنظومة الفكرية الكمالية و تطبيقاتها في تركيا . وهنا ايضا احتل الموضوع الكردي الحيز الأكبر من اهتماماته و مشروعه الفكري الكبير. فقد أصدر كتابه الأول ضمن هذا المشروع تحت عنوان (منهج العلم ) عام 1976 (7) ، أعقبه بخمسة كتب أخرى ضمن سلسلة التطبيقات التركية للمنهج العلمي ، خصص الكتاب الأول منها لمسألة (الأسكان الأجباري للكرد) و التي أعتمدتها الحكومات التركية منذ بداية الثلاثينات لتوزيع السكان الكرد على مناطق البلاد المختلفة ، بطريقة لا تتجاوز نسبتهم 10 % من مجموع سكان أية قرية او قصبة او مدينة. لقد قامت جمية (KOMAL ) الكردية ، والتي كانت تضم في صفوفها عددا من الكتاب و المثقفين و السياسيين الكرد في أسطنبول بنشر هذا الكتاب (8). صودر الكتاب و أحيل كاتبه الى المحكمة . حمل الكتاب الثاني من هذه السلسلة عنوان ( الأطروحة التركية في التاريخ : نظرية اللغة - الشمس و المسألة الكردية ) ونشر ايضا عام 1977 من قبل نفس الجمعية (9). وصودر الكتاب الثاني ايضا و احيل مؤلفه مرة اخرى الى المحكمة . نشر الباحث الكردي حميد بوزارسلان تأملاته في اراء بيشكجي المنشورة في كتابه هذا مع قراءة معمقة لمضامين الأطروحات الرسمية التركية في مجلة (دراسات كردية ) التي كان يصدرها المعهد الكردي في باريس (10).ورغم غرابة و سوريالية هاتين النظريتين على حد تعبير حميد بوزأرسلان، فقد تمت بلورتهما و الدفاع عنهما خلال حقبة الثلاثينات من خلال المؤتمرات والعديد من المنشورات التي كانت تصدرها المؤسسات (العلمية) التركية. حددت النظريتان المذكورتان رؤية النخب الثقافية التركية نحو العالم لأكثر من عشرين سنة وتركت آثارا واضحة على عقلية الأجيال الصاعدة . وتتلخص النظريتان في ان العنصر التركي يشكل المصدر الأصل في جميع حضارات العالم و في ان اللغة التركية هي أم اللغات . من الواضح جدا ان هاتان النظريتان تأسستا على بناء هش ولم يكن بالأمكان فرضها على الأوساط الفكرية التركية الا بالقمع و منع كل محاولة لنقدها و تفنيدها لأنها من بنات فكر الزعيم الأوحد المعصوم من الخطأ . وكان الشرط الأساسي في فرض هذه الأفكار السقيمة واستمرار سيادتها وجود دولة قوية وقائد ملهم . أعقب بيشكجي كتابه هذا بمؤلف آخر ضمن نفس السلسلة تحت عنوان ( برنامج فرقة الشعب الجمهوري 1927 و المسالة الكردية)(11). من المعروف أن التنظيم السياسي الكمالي الذي كان يعرف سابقا بفرقة الشعب الجمهوري تحول في هذا المؤتمر الى حزب سياسي له برنامج و نظام داخلي و حمل اسم حزب الشعب الجمهوري . كما جرى في هذا المؤتمر تحديد ركائز سياسة الدولة التركية. الأخطر من هذا و ذاك هو ترسيخ دكتاتورية مصطفى كمال من خلال دمج الدولة بالحزب في مؤسسة واحدة تربع على قمة الهرم فيها الزعيم الأوحد. كانت خطة قمع الشعب الكردي ومحاولة صهره في بودقة الأمة التركية من ابرز سمات تلك السياسة. لقد حاول حزب الشعب الجمهوري خلال العقدين التاليين تنفيذ مفردات تلك السياسة بوحشية وقسوة فريدتين . وكان الكتاب الرابع ضمن هذه السلسلة مكرسا للحديث عن مأساة درسيم وحمل عنوان (قانون تونجلي 1935 و الأبادة الجماعية في درسيم ) . جرت مصادرة مسودات هذا الكتاب في المطبعة و أعلن عن ضياعها ، وجاء انقلاب 12 ايلول 1980 ليؤخر طبع الكتاب حتى عام 1990 (12). لقد سبق الكماليون بعقود رفاقهم البعثيين في العراق وسورية في مسألة تغيير اسماء الأقاليم و المدن و القصبات الكردية و فرض التسميات التركية عليها ، ومن هنا كان استبدالهم لدرسيم بتونجلي . وكان استخدام بيشكجي للتسمية الأصلية (درسيم ) تحديا للتابوات التركية على مدى عقود عديدة . لقد حلل في كتابه هذا القانون الخاص الذي اصدره (البرلمان التركي ) للقضاء على الكرد الزازا او العلويين في درسيم والذين عرفوا بشجاعتهم ورفضهم الخنوع للسلطات الحكومية عثمانية كانت ام كمالية . اقامت الحكومة ادارة خاصة في منطقة درسيم و منحت القائمين على تنفيذ السياسات الحكومية في قمع وتشتيت الكرد العلويين صلاحيات مطلقة. لقد عاثت هذه الأدارة في الأرض فسادا و تجاوزت مظالمها كل الحدود الأمرالذي دفع بيشكجي الى ان يسميها بسياسة الجينوسايد (الأبادة الجماعية ) . أما الكتاب الأخير ضمن سلسلة تطبيقات المنهج العلمي في تركيا فقد حمل هذا العنوان المعبر ( ثلاث وثلاثون طلقة في حادثة جنرال موله) و نشر عام 1990 (13). يحلل بيشكجي في هذا الكتاب الخلفيات الفكرية والتربوية لتلك الحادثة المروعة التي قام خلالها ضابط تركي كمالي من منطقة موله بإطلاق النار وبدم بارد على القرويين الكرد في قرية على الحدود التركية - الأيرانية عام 1943 وكانت نتيجتها مقتل ثلاث و ثلاثين منهم على ايدي هذا الضابط الكمالي الفاشي . تمكن أحد القرويين الجرحى الذي بقي على قيد الحياة ان يهرب الى شرق كوردستان و ينقل خبر هذه المذبحة الى خارج الأسوار التركية قبل ان يسلم الروح هناك . نشر فيما بعد احد الكتاب الشباب الكرد كتابا عن الحادث حصل عنه على جائزة الكتاب الألمان .تناول بيشكجي هذا الحادث المروع ليغوص الى اعماق الشخصية العنصرية التركية و يحلل كيف يمكن لمجرم عات في دولة مثل تركيا ان ينفذ هذه الجريمة و تقوم الدولة بإخفاء تفاصيلها عن العالم المتحضر . ونشر بيشكجي مؤلفا اخر صب في الأتجاه نفسه ، نقصد به اتجاه السلسلة المشار اليها اعلاه تحت عنوان (العلم - الآيديولوجية الرسمية - الدولة - الديموقراطية و المسألة الكردية ) في عام 1990 (14). يؤشر بيشكجي في كتابه هذا غياب حرية الرأي التي كانت تسود تركيا عشية صدور الكتاب . و يؤكد حقيقة معروفة تتلخص في أن الحرية الفكرية تؤدي دوما الى إثراء و اغناء المجتمع فكريا و ثقافيا و فنيا و بعكس ذلك فإن الركود سيكون سيد الموقف . ويحلل عالمنا المفاهيم التي عنون بها كتابه مؤكدا ان ما يقدم في تركيا على انه علم ليس الا آيديولوجية رسمية غير قابلة للنقد و الطعن ، الأمر الذي ادى الى ركود فكري و ثقافي وفني معيب . وينتقد من خلال نصوص مقتبسة من الخطاب الكمالي السائد في المؤسسات العلمية التركية هذه المؤسسات و مناهجها القاصرة. كما يتهمها بالأنصياع للآيديولوجية الرسمية و ابتعادها عن المنهج العلمي. كما حاول تفكيك التصورات التركية بشأن القضية الكردية في تركيا وخارجها فاضحا التطبيقات البشعة لهذه الآيديولوجيا بحق الشعب الكردي . وفضح التعاون التركي البعثي ضد الشعب الكردي خلال الثمانينات عندما قام البعث بمجازره الوحشية في حلبجة و الأنفالات، إذ يشير الى انزعاج الحكومة التركية من الأنتقادات الموجهة الى نظام صدام حسين بسبب سياساته الدموية ضد كرد العراق. كما يشير الى الخلفية التاريخية للقضية الكردية في العهدين العثماني و الكمالي مؤكدا ق& |